عملية الإحصاء بين استجابة الناس للأسئلة والامتناع عنها

chiffre bannière 1يطرق الباحثون الميدانيون أبواب المنازل واحدا تلو الآخر، ليقوموا بعملية الإحصاء كما يجب، باعتبارها واجبا وطنيّا، فهناك من يجيب على أسئلتهم بصدر رحب، وهناك من يتهرب ويتضايق منها وقد يصل الأمر حدّ الطرد، إلى أن تتم دعوة المراقب أو “المقدم” وفي حال لم ينفع هذا ولا ذاك، يتم إخبار القائد المسؤول عن المنطقة المراد إحصائها.

تقول رجاء .س. (23 سنة)  باحثة ميدانية في منطقة أو “جُزيرة ” مرس السلطان حسب ما يسمونها أنها وجدت صعوبة كبيرة لتقنع الناس بالإجابة عن أسئلتها، واستحملت العديد من الإهانات، ناهيك عن إهانة المراقبين لهم ليظهروا أنهم يقومون بعملهم على أكمل وجه، في حين أنهم “ناشرين رجليهم في القهاوي على طول النهار” على حدّ قول رجاء، وأضافت قائلة :” لا علاقة لنا بالأسئلة التي نطرحها على الناس، فهي موجودة في الاستمارات التي نقوم بملئها بالمعلومات التي نحصل عليها من كل أسرة، وفي دفتر الجولات الذي يتم فيه تدوين عدد السكان الذين تم إحصاءهم لا ينبغي أن ينقص أي سؤال، أو أي رقم وفي حال حدوث ذلك نتعرض للإهانات اللفظية من قبل المراقب المسؤول عن مجموعتنا، التي تتألف تقريبا من 12 باحثا ميدانيّا.chiffre 2

رجاء خريجة كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية والاجتماعية، انهت لنا معاناتها في عملية الإحصاء بطريفة حدثت معها بعد طرقها أحد أبواب عمارة بمنطقة “مرس السلطان” حيث قالت : “في صبيحة ثاني يوم لي في الإحصاء، طرقت باب أحد المنازل، ففتح لي رجل عمره لا يتجاوز الأربعون سنة، ما إن وجدني أمامه حتى صرخ بنبرة غضب ” نعم شنو بغيتي، أجبته بلطف “حنا صحاب الإحصاء” فردّ علي بسرعة البرق قائلا : “صحاب الإحصاء كيدقوا على الديور مع 9 ديال الصباح وغير جيتيني بنت، ثم قال لي “دوري على العمارة كلها أ فاش توصل 12 عاد جي دقي عليّ، ثم دخل منزله، وأغلق الباب في وجهي، دون أن يلتفت، ذهبت على الفور إلى المنزل وأجهشت بالبكاء، شعرت حينها بنوع من “الحكرة”، لكن مقابل كل موقف صعب، تأتي مواقف طريفة تنسينا ما حدث.

ما تعرضت له رجاء لا يأتي أمام ما تعرض له حسن. ش. (26 سنة) حيث قال : في أول جولة ميدانية لي تعرضت لعدة طرائف، لكن لا يمكن أن أنسى ما حصل لي في إحدى العمارات، بشارع 2 مارس، العمارة قديمة بعض الشيء، ولا تتوفر على مصعد، بالرغم من كثرة طوابقها. في الطابق الأخير، تقطن امرأة كبيرة في السن ووحيدة، طرقت بابها ففتحت لي ونظرت إلي بنظرات غريبة لم أفهمها، التزمت الصمت، لأني لست مستعدا لأي نوع من الجدال بعد يوم طويل في الجولات الميدانية.

سألتني مباشرة بعد فتح الباب، من أنت؟ أجبتها بلطف “حنا صحاب الإحصاء أ ميمتي” ردّت عليّ في الحين وبنبرة غضب ” أ فين البادج ديالك، أ مالك على حالتك” أجبتها “وكيف جاتك حالتي” قالت : “كيف بغيتيها تجيني وأنت جاي لابس ومتأنق بحال العريس، راه ما عندي حتا بنت للزواج” اختلطت عليّ الأمور بين الضحك والاستغراب من حديثها، خاصة وأنها  “كتدوي من نيتها” قلت في قرارتي نفسي وأنا جدّ منهك الله يكمل هاد النهار على خير، وفوق كل ما صدر منها رفضت الإجابة عن جل الأسئلة التي طرحتها عليها معلّلة ذلك ب “دخول الصحة هذا” وعندما أفقد صوابي أقول لها “الشريفة راه هادشي جاي من الفوق” تقول لي بكل برودة أعصاب “إيوا سير جيب لي البوليس”.chiffre

مع العلم أن هذه المرأة هي الوحيدة في العمارة التي منحتني كرسي لأجلس عليه، فلولا الكرسي، لكنت انفجرت من ضغط العمل ومدى صعوبته في ذلك اليوم، ومن الحديث الجاف والمستفز لهذه المرأة.

وبين المعاملة السيئة لهذه النوعية من الناس، هناك بعض السكان الطيّبون الذين قاموا باستقبال الباحثين الميدانيين في عملية الإحصاء بكل لطف، فمنهم من دعاهم للدخول إلى منزله، ومنهم من عرض عليهم تناول الطعام أو شرب فنجان قهوة أو كأس شاي، وغالبا ما يحدث ذلك في الأحياء الشعبية لمدى بساطتهم وتواضعهم.

تقول مريم .ب. 25 سنة، لم نتضايق من أي سؤال من أسئلة الأساتذة الباحثين، فهي مجرد أسئلة عادية، الهدف منها هو أخذ ما يمكن من معلومات لمعرفة الوضع الاجتماعي لكل أسرة، خاصة وأنهم ذو مستوى تعليمي عال.

وفي سياق الحديث أضافت مريم، عندما طرقوا علينا الباب أدخلناهم ورحبنا بهم، وقامت والدتي بتحضير الطعام لهم، كما لو كانوا أبناءها أو من أقاربنا، خاصة وأنهم يقومون بواجبهم وبما أُمروا به.

“الوالدة ديالي في شكل” يقول رضا 21 سنة، قامت بإدخال الأساتذة وإعطائهم جميع المعلومات المطلوبة دون تردد، عكس ما يفعله معظم الناس الذي يصدونهم ويرفضون حتى فتح الباب لهم.

يجهل معظم الناس أن عملية الإحصاء ولو كانت اقتحاما لحياتهم فهي واجب وطني لصالحهم، إذ تخول للدولة معرفة الأوضاع الاجتماعية لجميع الأسر المغربية، أما بالنسبة للأساتذة الباحثين في عملية الإحصاء فهم يقومون فقط بما التزموا به مع المراقبين الذين تم تعيينهم من قبل المندوبية السامية للتخطيط، خاصة وأن عملية الإحصاء هذه، كلفت الدولة 900 مليون درهم، لاستطلاع أحوال المواطنين، ومحاولة تجسير الفجوة بين حاجياتهم وإمكانياتهم.

  • 2968
    مشاركة
آخر المستجدات