أن يفوتكِ قطار الزواج خير من أن يدْهسكِ

انزلق صوت حنان من الشباك جريحا يئن حمقا وكآبة، اقتحم جلسة سعيدة وضيفاتها، تبادلن نظرات الدهشة والألم…في عقدها الأربعين لم تتوقف حنان يوما عن الهذيان من النافذة، وكأنها توجه رسالتها إلى كل الجيران والمارة: أنظروني واشهدوا جنوني الممزوج بالتمرد… ساد الصمت لبرهة من الزمن، أطبقن شفاههن بحسرة وقلن في آن واحد: لا حول ولا قوة إلا بالله.

علقت سعيدة على الفور:  أتذكر شعرها الناعم الطويل وهي صغيرة، كانت هادئة جدا، ولم تكن تحب اللعب كثيرا…زوجت وسنها لا يتجاوز الثالثة عشر لرجل يكبرها بعشرين عاما، غادرت بيت أهلها وهي طفلة ليلقى بها في قرية بعيدة عن المدينة،  وكان مطلوبا منها أن تقوم بدور الزوجة التي تجيد القيام بكل الأشغال، الشيء الذي عجزت الطفلة حنان عن تحقيقه فكان جزاؤها أن أعيدت إلى أهلها جريحة مصدومة …

قاطعتها ليلى: أنا لا أفهم كيف يزوج الآباء بناتهم في سن صغيرة جدا؟ هل هو الهروب من تحمل المسؤولية المادية؟ أم الخوف عليهن من الفساد؟…أم أن تزويج البنت في سن صغيرة مدعاة للتباهي وتخلص من شبح العنوسة؟

سعيدة: قد تكون حسابات الأهل أحيانا خاطئة، وأنت تعرفين قصة الخالة رشيدة الأرملة الفقيرة التي لم تنجب سوى فتاة واحدة، وكان هاجسها دائما هو أن تزوج ابنتها لأنها تخاف أن تموت وتتركها لوحدها بدون معيل…كانت ابنتها في السادسة عشر من عمرها عندما زوجتها لابن صديقتها الغنية، فبعد إلحاح كبير من صديقتها التي وعدتها أن تعلم ابنتها أشغال المنزل والطبخ وأن تعتني بها وتصونها قبلت رشيدة  وزوجتها لرجل يكبرها بخمسة عشر عاما. وماهو إلا شهر حتى بدأت الحماة بالاشتكاء من عروستها الجديدة التي لا تنظف غرفتها ولا تجيد الطبخ ولا معاشرة زوجها كما يشتهي…فلم يدم الزواج أكثر من شهرين حتى انفصلا ومن ثم الطلاق والعودة إلى منزل أمها …

فاطمة: الطمع طاعون…الكثير من النساء يغرهن المال ويزوجن فتياتهن الصغيرات لرجال لا تعليم لهم ولا أخلاق، فلمجرد أن يكون مهاجرا للخارج أو صاحب مال فهذا كاف لأن يسيل لعاب الكثير من الفتيات اللواتي كان لآبائهن الدور الكبير في تحريضهن على القبول بمثل هذه الزيجات حتى يتمكن من الانتقال من قلة الحاجة إلى الغنى الذي سيحققه لهن الزوج الموعود، لكن في حالات كثيرة كما يقال تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فتكون النتيجة هي الغرق في بحر الطمع…ولقد قرأت منذ مدة قصيرة قصة محزنة جدا. فتاة في الرابعة عشر أخرجها والداها من مدرستها غصبا عنها لتزويجها بعجوز ثري يقيم بفرنسا، ورغم محاولتها مقاومة هذا الزواج البشع إلا أن والداها كانا مصرين على أن تكون هذه البنت الصغيرة ثمن تخلصهما من الفقر والباب المفتوحة لولوج عالم الأثرياء. فانتقلت المسكينة للعيش مع زوجها في فرنسا. عاشت تجربة مريرة في حضن عجوز اشتراها بماله دمية للمتعة فقط. وعندما مل من الدمية بعد سنتين أعادها إلى بيت أهلها لينتهي الحلم الجشع لوالديها وهي اليوم تعيش تجربة مريرة أخرى في المحاكم لتحرير نفسها من كابوس حطم كل شيء جميل كانت تحلم به.

سعيدة: ولكن الفشل في الزواج لا يقتصر فقط على القاصرات فالكل معرض لذلك. كما أن هناك الكثير من النساء تزوجن في سن صغيرة وأنجبن في سن مبكرة وأصبحن جدات وعمرهن لا يتجاوز الأربعين، وعشن حياة سعيدة…و بنت خالتي كريمة المقيمة في ألمانيا أكبر دليل على ذلك، فهي تملك كل ما يمكن أن يجعل من المرأة سعيدة، وفي السنة الماضية أدت فريضة الحج مع زوجها ثم مضت أشهر قليلة لتستقبل حفيدا جديدا…

تقاطعها ليلى ساخرة: حفيد جديد  وستكون مضطرة لرعايته أثناء ذهاب ابنتها للعمل، وهي أصلا تعاني من مشاكل صحية كثيرة بسبب وزنها الزائد. بينما زوجها ما يزال شابا وسيما، يحب العودة للمغرب كثيرا لكن الانشغالات الجديدة لزوجته الجدة وصحتها تمنعها من السفر معه. وأنت تعرفين أن الرجال ينتظرون أي ذريعة من أجل أن يستعيدوا شبابهم مع فتاة في عمر بناتهم …

سعيدة: آه منك يا ليلى فتحت موضوعا آخر يحتاج لبراد أتاي آخر يكون مشحر مع شي مسمن تشهيتو من يديك.

التعليقات

أضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>